ترصد الكاتبة مها الحسيني من مدينة غزة مشهدًا إنسانيًا يعكس حجم التحولات التي فرضتها الحرب والحصار على الحياة اليومية في القطاع، حيث اختفت طقوس عيد الأضحى تدريجيًا مع انهيار قطاع الثروة الحيوانية وتراجع قدرة السكان على توفير أبسط الاحتياجات الأساسية.


ينقل موقع ميدل إيست آي صورة للأوضاع المتدهورة في غزة، حيث أدت الحرب والحصار المستمر والتهجير المتكرر إلى إضعاف أحد أهم القطاعات الاقتصادية والغذائية، ما حرم آلاف الأسر من ممارسة شعيرة الأضحية التي ارتبطت لسنوات طويلة بأجواء العيد والتكافل الاجتماعي.


انهيار قطاع المواشي يغيّر ملامح العيد في غزة


اعتاد مربو المواشي في غزة خلال مواسم عيد الأضحى على الاستعداد لبيع مئات الأغنام والأبقار لتلبية احتياجات السكان، لكن المشهد تغيّر بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة.


يقول أحد كبار مربي المواشي في غزة إنه كان يبيع مئات الرؤوس سنويًا خلال موسم العيد، لكنه لم يعد يمتلك أي حيوانات حية اليوم، بعدما أوقفت القيود دخول المواشي إلى القطاع وفرضت واقعًا جديدًا على العاملين في هذا المجال.


قبل الحرب، استوردت غزة عشرات الآلاف من رؤوس الأغنام والعجول سنويًا استعدادًا لموسم الأضاحي، إلا أن استمرار الحصار والعمليات العسكرية دفعا القطاع نحو أزمة غير مسبوقة، حيث اختفت الحيوانات تقريبًا من الأسواق المحلية.


ارتفاع الأسعار وتراجع الأمن الغذائي


أدت الأضرار الواسعة التي لحقت بقطاع الثروة الحيوانية إلى ارتفاع هائل في أسعار الحيوانات القليلة المتبقية داخل القطاع. فبعدما تراوح سعر الخروف في السابق بين خمسمئة وستمئة دولار، وصلت أسعار بعض الحيوانات اليوم إلى آلاف الدولارات.


كما تسببت الحرب في فقدان نسبة كبيرة من الأغنام والماعز نتيجة القصف ونقص الغذاء والقيود المفروضة على الإمدادات الزراعية والبيطرية، الأمر الذي عمّق أزمة الغذاء داخل القطاع.


وامتدت آثار الأزمة إلى البنية الأساسية للقطاع الزراعي أيضًا، حيث تعرضت المزارع والحظائر ومستودعات الأعلاف والعيادات البيطرية لأضرار كبيرة، بينما واجه المربون صعوبة في توفير الأعلاف والرعاية اللازمة للحفاظ على ما تبقى من الحيوانات.


وتشير تقديرات مرتبطة بالأمن الغذائي إلى أن نسبة كبيرة من سكان غزة باتت تواجه مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار بصورة مستمرة.


غياب الأضاحي وتحول العيد إلى ذكرى بعيدة


لا ترتبط الأزمة في غزة بغياب الحيوانات فقط، بل تتجاوز ذلك إلى فقدان شعور اجتماعي ارتبط بعيد الأضحى لعقود طويلة. يصف سكان القطاع أجواء العيد الحالية بأنها مختلفة بصورة كاملة عن السابق، حيث اختفت مشاهد شراء الأضاحي وتوزيع اللحوم والتجمعات العائلية التي كانت تمثل جزءًا أساسيًا من هوية المناسبة.


ويرى كثيرون أن غياب الأضحية لا يعني اختفاء طقس ديني فحسب، بل يشير أيضًا إلى انهيار شبكة اقتصادية كاملة كانت توفر مصادر رزق لآلاف العائلات، بدءًا من مربي المواشي والأطباء البيطريين ووصولًا إلى الجزارين وأصحاب المطاعم والعاملين في القطاعات المرتبطة بها.


ويعكس هذا الواقع حجم الضغوط الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها القطاع، حيث أصبح تأمين الغذاء اليومي أولوية تتقدم على الطقوس والمظاهر التي كانت تمنح العيد معناه الاجتماعي والإنساني، ليتحول موسم ارتبط تاريخيًا بالفرح والمشاركة إلى ذكرى بعيدة بالنسبة لكثير من سكان غزة.

 

https://www.middleeasteye.net/news/no-eid-gaza-third-year-livestock-crisis-erases-holiday-rituals